ابن قيم الجوزية

392

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

فليتأمل اللبيب هذه الآية العظيمة ومطابقتها لهذه المعاني الشريفة فقد ذكر سبحانه وتعالى نوره في السماوات والأرض ، ونوره في قلب عباده المؤمنين : النور المعقول المشهور بالبصائر والقلوب ، والنور المحسوس المشهود بالأبصار الذي استنارت به أقطار العالم العلوي والسفلي . فهما نوران عظيمان ، وأحدهما أعظم من الآخر . وكما أنه إذا فقد أحدهما من مكان أو موضع لم يعش فيه آدمي ولا غيره ، لأن الحيوان إنما يكون حيث يكون النور ، ومواضع الظلمة التي لا يشرق عليها نور لا يعيش فيها حيوان ولا يكون البتة ، فكذلك أمة فقد فيها نور الوحي والايمان ميتة ولا بد ، وقلب فقد منه هذا النور : ميت ولا بد ، لا حياة له البتة ، كما لا حياة للحيوان في مكان لا نور فيه . 24 : 35 اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ ، الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ ، لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ ، يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ . نُورٌ عَلى نُورٍ ، يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ . وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ . وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . وقد فسر قوله تعالى : اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بكونه منور السماوات والأرض ، وهادي أهل السماوات والأرض ، فبنوره اهتدي أهل السماوات والأرض . وهذا إنما هو فعله ، وإلا فالنور الذي هو من أوصافه قائم به . ومنه اشتق له اسم النور ، الذي هو أحد الأسماء الحسنى . والنور يضاف إليه سبحانه على أحد وجهين : إضافة صفة إلى موصوفها ، وإضافة مفعول إلى فاعله .